السيد عباس علي الموسوي
313
شرح نهج البلاغة
كيف لم يعد نظرهم يلتفت نحو الدنيا من قليل أو كثير ، وهكذا سار قوم على هذا الخط وفي هذا الاتجاه . . . بينما نجد قوما آخرين بل الأغلبية الساحقة من البشر ومن المؤمنين قد اتخذوا الخط الآخر فأخذوا نصيبهم من الدنيا وتمتعوا بزينتها وزخرفها فأكلوا طيباتها وتزوجوا نساءها وعاشوا في قصورها وقالوا : إذا أقبلت الدنيا كان خيارها أولى بها من شرارها . ونحن إزاء هذين الرأيين المتنافيين نجد الإسلام يبني نظرته على خلافهما ، إنه نظر بكلتا عيني الحقيقة ، ولم ينظر بعين واحدة وأغمض الأخرى ، إنه نظر إلى الدنيا وإلى الآخرة معا . وقال : إن الدنيا إذا طلبت من أجل الآخرة فهي الدنيا المحبوبة المرغوبة التي يريدها اللّه ويحبها لعباده ، إذا حوّل الإنسان دنياه كلها إلى طاعات للهّ واكتساب مرضاته ، فهي ليست الدنيا المذمومة ، وإنما هي الدنيا المطلوبة للإسلام والتي يحض أتباعه عليها . . . وفيها يقول الإمام الصادق لمن قال له : واللّه إنا لنحب الدنيا ونحب أن نؤتاها فيقول له : تحب أن تصنع بها ما ذا قال : أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج واعتمر . قال الصادق : « ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة » . . . وفي هذا المجال يقول الصادق : « نعم العون على تقوى اللّه الغنى » . فإذا كان الإنسان ينظر إلى الدنيا وما فيها على أنها وسيلة يكتسب بها الآخرة وينال من خلالها الجنة ، فهذه الدنيا مرغوب فيها مطلوبة من الإنسان وبهذا نكون قد أحرزنا الدنيا للآخرة ، فإن النتيجة الأخروية تتوقف على مقدار ما يكتسبه الإنسان في الدنيا من الخيرات والحسنات والصدقات . . . وتكون الدنيا المذمومة هي تلك الدنيا التي تستعبد الإنسان وتستذله وتقطع نظره عن آخرته ولا يعود يفكر فيها ، الدنيا التي تتحول عنده إلى إله يعبد من دون اللّه وتتحول إلى قدس من الأقداس يقاتل من أجل تحصيلها ويبذل نفسه في طلب حرامها ، الدنيا التي تملك عليه رؤيته كلها وشعوره كله ونفسه كلها وفكره كله ، والتي تقطع صلته باللهّ وباليوم الآخر ولا يكون للهّ منها نصيب هذه هي الدنيا التي يرفضها الإسلام ويذم أهلها . . . ولا يرضاها للمؤمنين . . . إن هذه الدنيا قد غرت أجيالا وأجيالا وصرعت الملايين والملايين من بني آدم ، لقد قضت على أجدادنا وآبائنا وهي قاضية علينا وسوف تقضي على من يأتي بعدنا . لقد تصورت هذه الأرض التي أمر عليها ، وفكرت في الناس الذين مروا قبلي وداسوها كما